التخطي إلى المحتوى الرئيسي

صمت

صمت. كلمة باسم الصمت. وهل يكتب الصمت؟ عجيب أمر البشر. وأنا أولهم. يفرحون بأولى كلمات طفل. يصرخون الفرح. يشكون الحزن. يتكلمون في الحب واﻷلم والنجاح والفشل والموت والله والمرأة والرجل. يبحثون في الكتب والكلمات عن ضالة أبدية. أما أنا فأحب الكلمة بقدر ما أحب. أحكي وأكتب بقدر ما أشعر. وهذا قدر كبير. بل إن الكلمة لا تكفيني أحياناً فأرددها مرات ومرات علني أجد لها معنى جديداً وأبعادا لم تكتشف بعد. فيمل مستمعي وأتعب. ثم اكتشفت الصمت يوماً. واكتشفت فيه مستوى من الحب لا يعرفه الناس. ليس أدبا ما قيل عن كلام العيون. هل اختبرت يا آدم حضرة عظيمة أعادتك لسنينك الخرساء اﻷولى؟ ألم تلتقي شخصية لطالما أعجبت بها، نحتتك غبيا عاجزاً عن التعبير؟ هذا هو الصمت اﻹلهي الذي يأخذ مكان الكلمة في أقسى حالات الافتتان والسعادة والحب. كلنا اختبرنا لحظات الصمت هذه وأعجبنا بها دون أن ندري. ذهلتنا لفرط اكتظاظها البسيط بما يتملكنا. لفرط ما حملت من مشاعر في صمت بسيط. واستسلمنا لهذه اللحظات. لكننا نعود للكلمة. وأعود لقلمي. وكيف أشارك البعيد والغائب نظرة ولحظة صمت فيها من الحب ما تعجز عن البوح به ألف كلمة؟ لكن العين ليست صديقة الصمت الوحيدة. صحيح أن كلام العيون ساحر العشاق، إنما إن طال غياب اﻷحبة وسكتت العين طويلا ولم تبح؛ كان الصمت لغة حب سرية بين القلوب.
هذا هو الحب الذي يصبح هدية لكل من حمله، يرافقه دون مقابل، دون انتظار ما يعادله بالكلمة والنظرة والغمرة والقبلة. و
كما تساعد العين الصمت بأسلوبها السحري، تساعد الكلمة هذا الصديق المشترك بجرأتها. لكنها ليست سلطانة التعبير. هي كلمة خرساء؛ تتوقف عند حدود شفاه ﻷنها ضعيفة أمام حقيقة الإحساس. ﻷنها أتفه من أن تقال. ﻷنها كلمة لطالما انتظرتها أمم من الأفراد -"أحبك"- تموت أمام عينين تغردان وتدمعان حقيقة في لقاء صامت. ﻷن "الصمت في حرم الجمال جمال"؛ لا تعلو عليه ألف كلمة وأغنية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صيدليّة نهلة

أحنُّ إلى حضنِ أمي وبسمةِ أمّي وصوتِ أمّي الذي غدا بعيدًا بعيدًا في الذّاكرة الصّغيرة وإلى هذه الأدراج التي التهمتْ أطرافَ أقدامنا الصّغار وباب الصّيدليّة التّي كنا ندخلها ونخرج منها راكضين ورفوف الأدوية التّي كنت أرتّبها معها والهاتف اليوميّ الذي كنّا نحكيه حين لم نكنْ معًا أكلتي؟ درستي؟ وما إلى هنالك من حبّ ومتابعة واهتمام لم تعدْ الصّيدلية صيدليّة نهلة ولم تعدْ الأدراجُ مكانَها وتغيّرتْ المدينة وأصحابها ولم تعدْ أمّي هناك ولم أعدْ أنا هناك رحلتْ أمّي ورحلتُ أنا وبقيَ أبي وطفلَين أسكنْتُهما قلبي أصبحَ الرّحيلُ حتميًا في تجربتي وكأنّه حتميٌّ في البلادِ أيضًا؟ أترحلُ المدينة أيضًا؟ صَدَقَ من قال نأتي وحدَنا ونرحلُ وحدَنا وكلُّ ما بينَ الاثنينِ متغيّرٌ فانٍ مؤقّتْ عبور مرور ينتهي كالبلادِ وكهذا الجسدِ وما حولَه والنَّفَسُ فيه ويبقى شيءٌ واحدٌ أبدًا هو الذي سيحرّرنا.