التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأخّرت، أدري ولكنْ...

لوهلة ظننت أنني أحببت. أنني وجدت ذاك الرجل الذي لطالما بحثت عنه. 
ذلك الرجل الطفل. 
هو طفل صغير لا يعرف الحرف ولا الكلمة. هو طفل لا يعرف أن يكون رجلا بجانب امراة. هو طفل أبكي على كتفه فيبكي معي بدل أن يحضنني. هو طفل ضائع بما يريد وما لا يريد. هو طفل يخجل. لا يحب ولا يريد أن يحب. يعرف القليل، لكنه يعرف نظرة قتالة. طفل يعرف ابتسامة سحرتني على مدى السنين. وتسحرني حتى نهاية الزمن. هو طفل أحس باﻷمان في يديه. أحس باﻷمان بجانبه ويكفيني حضوره. هو طفل لا أحتاج أن أكلمه إن كان حاضراً. فحضوره الصامت وحده كاف لإسعادي.
هو طفلي؟
أخاف عليه ولا أخاف امرأة أخرى. 
أشتاق لابتسامته ولا تغريني الكلمة. صحيح أن قال نزار أن "الصمت في حرم الجمال جمال"؛ لكن بعيداً عن اﻷدبيات والجمال اللغوي، إن صمته أجمل ما في جلساتنا. أحاول قراءة أفكاره. نضحك بلا سبب. نغني بلا كلمات. أفهم من عينيه الكلمة وأحياناً لا أفهم. وأفهم في ابتسامته الحب. وتقتلني هذه الابتسامة.
"لست أدري ماذا أقول له إن جاء يسألني إن كنت أهواه؟" 
وهل سأنتظره؟ 
تعلمت الصبر على يديه وأنا كافرة في الصبر. أريد ما أريد حين أريده. لكن قلبي يدندن في أذني ويقول انتظري فهذه المرة ليست ككل مرة. انتظري. وأنا أنتظر والحرقة تقتلني. وقلبي يأكل خلاياه المجاورة. وفكري يحتل جسدي. وأفقد السيطرة. هذا الطفل القيصر. "أأقول له إني ألف أهواه؟"

ثم قررت أن هواه لا يهم فأنا لا أرغب جواره. هو، رجل أم طفل، لا تغريني رفقته. فإن جمعتنا قصة حب ستكون صفحاتها فارغة ﻷن حبنا ممل. 
لن نفعل ما يفعل العشاق. لن نخرج في الشوارع والحدائق نرشها بالإبتسامات. لن نتسابق والدراجات نمشط طرقات الهوى. لن نشاهد الغروب. لن نطارد العصافير. لن نحلم بالغد.
فهو أجمل من الغروب. أمتع من أي سباق أو حديث. ساحر ألف زهرة وفراشة وعصفور. وكل لحظة معه تطرد الغد بعيداً. 

سيكون كتاب حب باسمنا. وفيه لوحة.
لوحة عيوني ووجهه.
هذا نحن.
هذا هو في عيوني. في قلبي.
هذا طفلي وهذا الرجل الذي أحب.

لوهلة. ثم غيرت رأيي.

تعليقات

  1. هو حب أشبه بالموت، ذلك الذي ينحدر كالنهر الى محيط الصمت الأبدي، ذلك الذي يخيط من خيوط الشمس كفنا أبيض فيه يذوب ويذوي.

    ردحذف
    الردود
    1. شكراً على التعليقات الجميلة.
      على سيرة الصمت الأبدي، كتبت في الصمت.

      حذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صيدليّة نهلة

أحنُّ إلى حضنِ أمي وبسمةِ أمّي وصوتِ أمّي الذي غدا بعيدًا بعيدًا في الذّاكرة الصّغيرة وإلى هذه الأدراج التي التهمتْ أطرافَ أقدامنا الصّغار وباب الصّيدليّة التّي كنا ندخلها ونخرج منها راكضين ورفوف الأدوية التّي كنت أرتّبها معها والهاتف اليوميّ الذي كنّا نحكيه حين لم نكنْ معًا أكلتي؟ درستي؟ وما إلى هنالك من حبّ ومتابعة واهتمام لم تعدْ الصّيدلية صيدليّة نهلة ولم تعدْ الأدراجُ مكانَها وتغيّرتْ المدينة وأصحابها ولم تعدْ أمّي هناك ولم أعدْ أنا هناك رحلتْ أمّي ورحلتُ أنا وبقيَ أبي وطفلَين أسكنْتُهما قلبي أصبحَ الرّحيلُ حتميًا في تجربتي وكأنّه حتميٌّ في البلادِ أيضًا؟ أترحلُ المدينة أيضًا؟ صَدَقَ من قال نأتي وحدَنا ونرحلُ وحدَنا وكلُّ ما بينَ الاثنينِ متغيّرٌ فانٍ مؤقّتْ عبور مرور ينتهي كالبلادِ وكهذا الجسدِ وما حولَه والنَّفَسُ فيه ويبقى شيءٌ واحدٌ أبدًا هو الذي سيحرّرنا.