التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

صيدليّة نهلة

أحنُّ إلى حضنِ أمي وبسمةِ أمّي وصوتِ أمّي الذي غدا بعيدًا بعيدًا في الذّاكرة الصّغيرة وإلى هذه الأدراج التي التهمتْ أطرافَ أقدامنا الصّغار وباب الصّيدليّة التّي كنا ندخلها ونخرج منها راكضين ورفوف الأدوية التّي كنت أرتّبها معها والهاتف اليوميّ الذي كنّا نحكيه حين لم نكنْ معًا أكلتي؟ درستي؟ وما إلى هنالك من حبّ ومتابعة واهتمام لم تعدْ الصّيدلية صيدليّة نهلة ولم تعدْ الأدراجُ مكانَها وتغيّرتْ المدينة وأصحابها ولم تعدْ أمّي هناك ولم أعدْ أنا هناك رحلتْ أمّي ورحلتُ أنا وبقيَ أبي وطفلَين أسكنْتُهما قلبي أصبحَ الرّحيلُ حتميًا في تجربتي وكأنّه حتميٌّ في البلادِ أيضًا؟ أترحلُ المدينة أيضًا؟ صَدَقَ من قال نأتي وحدَنا ونرحلُ وحدَنا وكلُّ ما بينَ الاثنينِ متغيّرٌ فانٍ مؤقّتْ عبور مرور ينتهي كالبلادِ وكهذا الجسدِ وما حولَه والنَّفَسُ فيه ويبقى شيءٌ واحدٌ أبدًا هو الذي سيحرّرنا.

اهْتَرَأَ الحبلْ

منذُ رحيلِ أمي تتالى ألمٌ بعدَ ألمٍ بعدَ ألمْ منذُ رحيلِ أمّي  تتالتْ الخيباتْ وبدأ قلبي يبحثُ عمَّ يُعلِّقُ به حبالَه -عمّن- وآمالَه دفءُ الأصدقاء  شغفٌ لا ينتهي دهشةٌ في عيونِ الآخرين  فخرُ أبي نُكَتُ أخي وكلّما مرّ الوقت اهْترَأَ الحبلُ خيبةً فالرّفاقُ تفرّقوا وتعبوا والدّهشةُ انطفأتْ والنُّكتُ انقتلتْ والفخرُ باتَ باهتًا ثمّ جالَسَ الخيالُ الواقع فتعجّبْ "ما أقبحَه، وما أبيخَ ألوانه." "إنّما الخيالُ مرضٌ"، قال طبيبي حينها، اصطدم خيالي بالواقع ووجدتُ نفسي أسرحُ في واحدٍ وأبكي في الثّاني أهربُ في الأوّل وأنكرُ الثّاني أعيشُ في الأوّل  ولربّما أموتُ أخيرًا في الثّاني.

تطهيرٌ عاطفيّ

أمرُّ   بمرحلةِ   تطهيرٍ عاطفيّ مؤلمة هو   لا   يمسحُ   رأسي   بالماء بل   يرشّني   بومضات   من   غبار   ومياه   ليست   كالمياه تمسحُ   دموعي   فتنهمرُ   أخرى عينايَ   تؤلمُني ومضاتٌ مؤلمة تبعثُ   بأجزاءٍ   مني   لطالما   عرفتُها   بعيدًا   عني لتحلَّ   مكانها   أطراف   جديدة   غير   مألوفة لا   أعرفها لا   تشبهني لِمَ   تحُلُّ   بي؟ فهي   ليست   أنا والأنا   ترحلُ   عني هذي   هي   رحلة   اكتشاف   الذات؟ أهذا   الحريق   الذي   تحدّثت   عنه   الفراشات؟ ماذا   أفعل   بكلّ   هذا   الألم أستحمُّ   أكثر   من   العادة   هذه   الأيام وكأنني   أحاول   إطفاء   هذا   الحريق،   إخماد   هذا   الألم تبرد   أطرافي ثمّ   أستيقظ   في   حرٍّ   ودفءٍ   خانقين في   داخلي ...

أصعبْ لغز

يُقال بالحياة لِغزينْ: الحُبْ والموتْ. أنا أصعبْ لغزْ عندي هو الحزنْ. من وين بيجي؟ ليه بيجي فجأة؟ شو بدّو؟ بتكون الدّني بخير والإشيا حلوة والناس طيبة ومحبّة... بيجي الحزنْ زهقانْ يدقّ بواب يوقف عشبّاك أسودْ واقف عضوّ قمرْ. شو بدّو؟ بِزور كتارْ بيتنكّر بلْباس الحبّ أوقاتْ، وأوقاتْ بينتِحِل شخص الموتْ. بس هو الحزنْ لابس غير ألوانْ وجايي يزورْ. الموتْ، بتصرّخ عليه بِتْخانْقُه بِتْقلُّه يْفلّْ وبْتِبْكيه. الحُبْ، بتعيِّطْلو، بتِفْتَحْلو، بتأهِّل فيه لبينْ ما تفهمْ... وتِبْكيه. بس الحزنْ، شو بتعمل معو؟ غريب، رايق، هادي، ما بِقولْ شي. بيجي  بيحتلّ خلايا ومساحاتْ بيِقعُدْ فيك كأنو مطرحو ما فيك تحكيه وقدْ ما هادي، ما فيك تصرّخ عليه. شو بدّك يا حزنْ؟ بتدِّقْ وبتفوتْ وبتِبْقى لحدّ ما إِلْتِهي عنّك وإنساك وتِرجعْ تدّقْ وتفوتْ   وتبقى. ذكي وناعمْ محتالْ مِحتلّْ هيدا بحياتي اللّغزْ.

وكأنّه لم يكنْ

حتى السماء حزينة تلبّدت بالغضب بيضاء كالعروس حزينة كالعروس وكيف لها ألا تغضب إن كان لا قمرا فيها ولا شمس؟ وكيف لنا ألا نحزن إن كان هذا السقف فارغا؟ نرى ما نرى وتغيب عنا الخفايا نرى شمسا وقمرا يتناوبان كلّ يوم وكلّ ليلة ونظنّ بأنهما عاشقان لا يلتقيان وننسى السماء حاضنة الإثنين هي العاشق الحقيقي الذي لا يغيب ولا يُرى هي الأمّ والأب هي الشّاسعة التي لا تنتهي ولا ترحل لا ترحل أينما التفتتْ العين ترى سماء فلا بقعة أرض بلا سماء من العاشق إذن؟ هي الشمس تعشق السماء التي تحملها وتحضنها وتوصلها هي الشمس تعشق هذا المسرح الذي تطلّ علينا من خلاله هو القمر لحبّه الجمّ للسماء يأخذ نورا من الشمس ويحلّ مكانها حين ترحل فجميعهم يرحلون هو القمر يأتي ليؤنس سماءا فارغة وينير ظلمتها ويسلّم علينا نحن نعشق الشمس وننتظر القمر ولا نلتفت إلى السماء وكأنها الموجود غير المرئي وكأنها الثابت المخفي فوق رؤوسنا لا نر...